دراسات معاصرة

أمريكا ترامب: (أمة المهاجرين) .. (تحارب المهاجرين) !!

مقال حسن قطامش

ما يجري اليوم هو أكثر من مجرد حظر، أو سياسة هجرة، إنه إعادة هندسة للهجرة بشكل يضمن إبقاء

#الولايات_المتحدة

بيضاء ومسيحية قدر الإمكان، إنها معركة ثقافية حول من يملك الحق في أن يكون أمريكيًا ❝.

عندما تولى “ترامب” منصبه في 20 يناير 2025، أصدر أمرًا تنفيذيًا يطلب من وزارة الخارجية تحديد الدول “التي تكون معلومات التدقيق والفحص الخاصة بها ناقصة إلى درجة تبرر تعليقًا جزئيًا أو كليًا لقبول دخول مواطني تلك الدول إلى الولايات المتحدة”، وقال ” ترامب” أنه سيعيد العمل بالحظر من أجل حماية المواطنين الأمريكيين “من الأجانب الذين ينوون ارتكاب هجمات إرهابية أو تهديد أمننا القومي أو اعتناق أيديولوجية الكراهية أو استغلال قوانين الهجرة لأغراض خبيثة” وقد أمهل وزارة 60 يومًا لإنهاء تقريرها للبيت الأبيض بتلك القائمة، مما يعني أنه من المقرر أن يتم تقديمه في 20 مارس.

وفي 8 مارس 2025، وقبل أقل من أسبوعين من موعد المهلة،

اعتُقل الناشط الفلسطيني “محمود خليل”

خريج جامعة كولومبيا، من قبل ضباط بملابس مدنية يُعتقد أنهم من وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، وتمت عملية الاعتقال في مبنى سكنه في مدينة نيويورك دون تقديم مذكرة اعتقال رسمية، وتم إبلاغ ” محمود خليل” بأن تأشيرته وبطاقة إقامته الدائمة (الجرين كارد) قد ألغيتا، وتم نقله إلى مركز احتجاز للمهاجرين في لويزيانا في 10 مارس 2025، وأصدر القاضي “جيسي فورمان” أمرًا مؤقتًا يمنع ترحيله، ومن المقرر عقد جلسة استماع في محكمة مانهاتن الفيدرالية للنظر في قضيته، ولم يتمكن محاموه وعائلته من معرفة مكان احتجازه لفترة، مما أثار قلقًا واسعًا حول سلامته وإجراءات اعتقاله، ويُعتبر اعتقال “محمود خليل” تصعيدًا في سياسات الهجرة المتشددة التي تنتهجها إدارة “ترامب”، التي تهدف إلى تقييد النشاطات المناهضة لسياسات الحكومة، خاصةً فيما يتعلق بالقضايا الخارجية الحساسة مثل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

وكان “خليل” قد لعب دورًا بارزًا في تنظيم احتجاجات داخل حرم جامعة كولومبيا ضد (الإبادة الجماعية في غزة) في العام السابق، حيث مثّل المحتجين في المفاوضات مع إدارة الجامعة، وقد جاء اعتقاله بتوجيه من إدارة الرئيس “دونالد ترامب”.

مظاهرات تطالب بالإفراج عن محمود خليل

وفي 14 مارس 2025 نشرت

صحيفة “نيويورك تايمز”

تقريرا يتضمن (مسودة) تدرسها إدارة “دونالد ترامب” لفرض حظر سفر جديد يستهدف مواطني 43 دولة، مقسمة إلى ثلاث قوائم بناءً على مستوى القيود المفروضة:

1. القائمة الحمراء (حظر كامل): تضم 11 دولة يُمنع مواطنوها تمامًا من دخول الولايات المتحدة: (أفغانستان، السودان، سوريا، اليمن، ليبيا، إيران، الصومال، كوريا الشمالية، فنزويلا، كوبا، بوتان).

2. القائمة البرتقالية (قيود جزئية): تضم 10 دول يُفرض على مواطنيها قيود سفر دون منع كامل، مع اشتراط مقابلات شخصية إلزامية للحصول على التأشيرة: (روسيا، بيلاروسيا، جنوب السودان، سيراليون، إريتريا، هايتي، لاوس، ميانمار، باكستان، تركمانستان).

3. القائمة الصفراء (تحذير مع مهلة للتصحيح): تضم 22 دولة تُمنح 60 يومًا لتصحيح “النواقص” في سياساتها، مع التهديد بإدراجها في إحدى القائمتين السابقتين إذا لم تمتثل، تشمل هذه الدول: ( كمبوديا، الكاميرون، تشاد، جمهورية الكونغو، مالي، موريتانيا، زيمبابوي، ودول أفريقية أخرى ).

قائمة حظر السفر المقترحة

يُذكر أن هذه المسودة أعدتها وزارة الخارجية الأمريكية، وقد تخضع لتعديلات قبل اعتمادها النهائي.

ورغم أن الحظر الجديد لا يُعلن رسميًا أنه (حظر إسلامي)، فإن التركيبة الفعلية للقائمة تؤكد استمرار استهداف المسلمين بشكل رئيسي، كما حدث في 2017، ففي هذه المسودة هناك 7 دول إسلامية في (القائمة الحمراء) وهذا يمثل %63.6 ، ما يُظهر أن الحظر الأكثر صرامة لا يزال يتركز على الدول الإسلامية، كما أنه يؤكد على أن الحظر الجديد، رغم تغير أسلوب تطبيقه، لا يزال يحمل نفس الأبعاد الدينية والعرقية التي كانت حاضرة في النسخة الأولى في عام 2017.

فعدد الدول الإسلامية في حظر 2025: ( 7 دول في القائمة الحمراء فقط، و24 دولة في جميع القوائم) وهذا يفوق عدد الدول الإسلامية التي تم حظرها في 2017، والتي كانت 7 فقط شملت (إيران، العراق، ليبيا، الصومال، السودان، سوريا، اليمن )، وتم رفع العراق والسودان لاحقا، ما يعكس تصعيدًا أكبر ضد الدول ذات الأغلبية المسلمة، حتى لو كان بأسلوب أكثر بيروقراطية.

في ولايته الثانية، يُعيد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” تطبيق الحظر الذي فرضه على دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، ولكن هذه المرة بأسلوبٍ مختلف وأكثر دهاءً، فلم يعد القرار كما في عام 2017، بل أصبح يتحرك في الظلّ داخل منظومة بيروقراطية تتيح للحكومة إعادة تقييم المهاجرين بأثرٍ رجعي، ما يجعل تأثيره أكثر عمقًا واستدامة.

في هذا المقال، سنحلل ونناقش، لماذا يُعدّ (الحظر الجديد) أخطر من سابقه، وما هي الدوافع السياسية والإستراتيجية وراءه، والفروق بين حظر عام 2017 و2025، والأبعاد الأيديولوجية والسياسية، ولماذا يصر “ترامب” على هذه السياسات؟ وكيف أنه يعيد تشكيل أمريكا وفق أيديولوجية يمينية متطرفة، وتداعيات ذلك على الولايات المتحدة داخليا وخارجيا، وعلى حقوق الإنسان، التي طالما ادعت الولايات المتحدة أنها ركيزة أساسية في سياساتها، وكيف ستعيد هذه السياسات تشكيل صورة الولايات المتحدة؟ وأخيرا .. هل يمكن وقف هذا الحظر؟

لكن قبل ذلك سنخصص الجزء الأول من هذا المقال لفهم بعض الخلفيات التاريخية والعقائدية والعنصرية التي تحرك مواقف إدارة “ترامب” خاصة، وكثير من الأمريكيين عامة في موضوع الهجرة.

الولايات المتحدة تناقض مبادئ تأسيسها؟

عندما أعلنت الولايات المتحدة استقلالها عام 1776، لم تكن مجرد دولة جديدة تظهر على خريطة العالم، بل كانت مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا وُلد من رحم (الهجرة)، فقد كانت الأرض التي عُرفت لاحقًا باسم “أرض الأحرار وموطن الشجعان” ملجأً للمضطهدين الفارين من الاضطهاد الديني والتمييز العرقي في أوروبا، حيث جاء إليها المهاجرون الأوائل من البروتستانت الإنجليز، والكاثوليك الأيرلنديين، واليهود الشرقيين والغربيين، وغيرهم من البيض الأوروبيين الباحثين عن فرصة لحياة جديدة.

في ذلك الوقت، لم يكن مفهوم “الأمة الأمريكية” قائمًا بعد، بل كانت ثلاثة عشر مستعمرة مأهولة بمجموعات متفرقة من المهاجرين الأوروبيين البيض الذين استوطنوا الأرض وأسسوا المستعمرات الأولى تحت راية البحث عن الحرية الدينية والفرص الاقتصادية، وجاء في إعلان وثيقة الاستقلال أن هذه الأرض ستكون موطنًا لـ “كل البشر” الساعين لتحقيق الحلم الأمريكي، دون أن تُذكر أي قيود عرقية أو دينية صريحة على من يستحق أن يكون جزءًا من هذا الوطن الجديد.

المهاجرون .. يُبيدون أصحاب الأرض !!

منذ وصول المستوطنين الأوروبيين الأوائل إلى القارة الأمريكية في القرن السادس عشر، تعرض السكان الأصليون لـ (إبادة جماعية منظمة وتهجير قسري ممنهج)، ما أدى إلى فقدانهم أرضهم وثقافاتهم، بل ووجودهم بالكامل تقريبا، ومن أبرز الجرائم التي ارتكبها (المهاجرون البيض):

الإبادة الجماعية والتطهير العرقي:

فقد انخفض عدد السكان الأصليين من حوالي 5 ملايين شخص قبل وصول الأوروبيين إلى أقل من 300 ألف شخص بحلول أواخر القرن التاسع عشر، واستخدمت القوات الأمريكية والمستوطنون البيض المجازر المباشرة، ونشر الأمراض -كالجدري، والتسميم المتعمد للطعام والمياه- للقضاء على القبائل الأصلية.

الاستيلاء على الأراضي:

سنّت الحكومة الأمريكية قوانين مثل قانون إزالة الهنود عام 1830، الذي أدى إلى (درب الدموع الدامي)، حيث تم تهجير عشرات الآلاف من السكان الأصليين من أراضيهم إلى مناطق بعيدة، في رحلة مات فيها الآلاف بسبب الجوع والمرض.

التدمير الثقافي والاستيعاب القسري:

حيث تم اختطاف أطفال السكان الأصليين وإرسالهم إلى مدارس داخلية قسرية مثل مدرسة “كارلايل”، حيث تم إجبارهم على التخلي عن لغتهم ودينهم وثقافتهم، والتعرض لسوء المعاملة والعنف.

القوانين العنصرية والاستعباد:

حُرم السكان الأصليون من حقوق المواطنة حتى عام 1924، ولم يُسمح لهم بالتصويت في العديد من الولايات حتى الستينيات من القرن العشرين.

ورغم أن (المهاجرين البيض) الأوائل كانوا مسؤولين عن واحدة من أكبر عمليات الإبادة الجماعية والاستيلاء على الأراضي في التاريخ، نجد اليوم إدارة “ترامب” اليمينية تتبنى سياسات تهدف إلى تقييد هجرة غير البيض، بحجة حماية “الهوية الأمريكية”، هذه المفارقة تبرز التناقض الواضح بين التاريخ الدموي للمهاجرين البيض الأوائل، والتمييز الحالي ضد (المهاجرين من خلفيات أخرى) بحجة الأمن القومي وحماية الثقافة الأمريكية.

الخريطة العرقية والدينية للمهاجرين الأوائل

الولايات المتحدة التي تشكلت في الأصل من (المهاجرين الأوروبيين) الذين استقروا في المستعمرات الثلاث عشرة، بالإضافة إلى السكان الأصليين (الهنود الحمر) والأفارقة الذين جُلبوا كعبيد، في عام 1790، وفي أول تعداد سكاني رسمي بعد الاستقلال، بلغ عدد سكان الولايات المتحدة حوالي 3.9 مليون نسمة، منهم:

حوالي80% (أي حوالي 3.1 مليون) كانوا من أصول أوروبية مهاجرة، معظمهم من بريطانيا (إنجلترا، اسكتلندا، وأيرلندا).

حوالي 19% (أي حوالي 750,000) كانوا من الأفارقة المجلوبين كعبيد ( تهجير وجلب قصري ).

أقل من 1% كانوا من السكان الأصليين ( المتبقين بعد الإبادة ).

لذا، يمكن القول إن حوالي 99% من سكان الدولة في بداياتها (باستثناء السكان الأصليين) كانوا مهاجرين أو أحفاد مهاجرين مباشرين، هذه النسبة تعكس الفترة التأسيسية فقط، ومع الوقت زادت أعداد المهاجرين من مناطق أخرى، ففي الفترة التأسيسية (القرنين 17 و18)، جاء (المهاجرون الأوائل) بشكل رئيسي من:

بريطانيا (إنجلترا، اسكتلندا، وأيرلندا): كانوا الأغلبية الساحقة، وشكلوا أساس المستعمرات الثلاث عشرة.

هولندا: استقروا بشكل رئيسي في نيويورك (نيو أمستردام سابقًا).

ألمانيا: هاجروا إلى بنسلفانيا ومناطق أخرى بأعداد ملحوظة، خاصة في القرن 18.

فرنسا: المهاجرون الهوغونوت (البروتستانت) الذين فروا من الاضطهاد الديني واستقروا في مناطق مثل كارولاينا الجنوبية.

إسبانيا: سيطروا على فلوريدا وأجزاء من الجنوب الغربي، لكن تأثيرهم كان محدودًا في المستعمرات الثلاث عشرة.

السويد: أسسوا مستعمرة صغيرة في ديلاوير (السويد الجديدة).

أما الاعتقاد الديني فكانت أديان ومذاهب هؤلاء هي:

المسيحية البروتستانتية: كانت الغالبية العظمى، مثل “البيوريتان” في نيو إنجلاند، و “الكويكرز” في بنسلفانيا، و “الأنجليكان” في الجنوب.

المسيحية الكاثوليكية: بين بعض المهاجرين الإسبان والفرنسيين، لكنها كانت أقلية.

اليهودية: كانت موجودة بأعداد ضئيلة جدًا بين المهاجرين الهولنديين والبريطانيين.

لم تكن هناك أديان غير مسيحية بارزة في الفترة التأسيسية بسبب طبيعة الهجرة الأوروبية، ولاحقًا، في القرنين 19 و20، توسعت الجنسيات لتشمل إيطاليا، أيرلندا، روسيا، الصين، ودول أخرى، مع تنوع ديني أكبر (كالكاثوليكية واليهودية والبوذية والإسلام).

من ( إبادة الأجداد ) إلى ( إقصاء الأبناء ).

لننتقل الآن لإلقاء نظرة على أصول الذين يستميتون اليوم لمنع ( المهاجرين الجدد) من دخول الولايات المتحدة، وتطهير الأراضي الأمريكية منهم، ولن نذهب بعيدا، أو نتشتت كثيرا، حيث سنركز على نماذج من الإدارة الأمريكية الحالية، ترامب وعائلته وأقرب معاونيه، للوقوف على حقيقة ( الانتقاء المخصوص ) للمهاجرين ومن يستحق أن يعيش في الولايات المتحدة، ومن يجب منعه أو طرده من جنة العم سام ( المهاجر ).

ترامب وفريقه يؤدون الصلاة في أول اجتماع وزاري

رأس الدولة الأمريكية.. ترامب

دونالد ترامب: وُلد في 14 يونيو 1945 في كوينز، نيويورك، لأبوين أمريكيين من أصول مهاجرة، فوالده (فريد ترامب) وُلد في الولايات المتحدة (1905)، لكن والديه مهاجران من ألمانيا (من منطقة بافاريا، وكان جده “فريدريك ترامب” قد هاجر في 1885، أما والدة “ترامب” (ماري آن ماكلاود) فقد وُلدت في اسكتلندا (1912) وهاجرت إلى الولايات المتحدة في 1930.

زوجاته:

زوجته الأولى: “إيفانا زيلنيكوفا” من تشيكوسلوفاكيا (التشيك حاليا)، تزوجها في 1977 وانفصلا في 1992.

زوجته الثانية: مارلا مابلز: أمريكية من ولاية جورجيا، تزوجها في 1993 وانفصلا في 1999، أما والدها فهو من أصول ألمانية، والدتها من أصول إنجليزية.

زوجته الثالثة: “ميلانيا كنافس” من دولة سلوفينيا، وُلدت في 1970 وهاجرت إلى الولايات المتحدة في 1996، تزوجها في 2005 وهي لا تزال زوجته، فسيدة أمريكا الأولى لفترتين هي (مهاجرة جديدة ) سلوفانية.

نائبه

جي دي فانس (جيمس دايفيد فانس): وُلد في 2 أغسطس 1984 في ميدلتاون، أوهايو، الولايات المتحدة، أما والده (دونالد بومان)، فمن أيرلندا، ووالدته (بيفرلي فانس) هي أمريكية من أصول أسكتلندية-أيرلندية.

أما زوجته: “أوشا تشيلكوثام فانس” فقد وُلدت في الولايات المتحدة لأبوين هندوسيين مهاجرين من الهند.

وزير دفاعه

(بيت هيجست) وُلد في 6 يونيو 1980 في مينيابولس، مينيسوتا، الولايات المتحدة، أمريكي من أصول نرويجية.

وزير خارجيته

(مايكل روبيو) وُلد في 28 مايو 1971، في ميامي، فلوريدا، الولايات المتحدة، والداه مهاجران من كوبا، وزوجته “جانيت دوسبابيس روبيو” وُلدت في الولايات المتحدة لأبوين مهاجرين من كولومبيا.

مستشاره

(ستيفن ميلر)، المستشار السياسي الأمريكي وكاتب الخطابات الذي عمل مع الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى، وتم تعينه نائبا لكبير موظفي البيت الأبيض للشؤون السياسية في الولاية الثانية ، وكان شخصية محورية في العديد من قراراته السياسية، خاصة تحركه لفصل آلاف العائلات المهاجرة كبرنامج ردع في عام، وساعد ميلر في صياغة العديد من خطابات ترامب وخططه المتشددة فيما يتعلق بالهجرة.

من أصول يهودية، وُلد في 23 أغسطس 1985 في سانتا مونيكا، كاليفورنيا، لعائلة يهودية من أصول بيلاروسية، جده، ناثان ميلر، هاجر من روسيا البيضاء إلى الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين.

( هجرة ) عنصرية .. بيضاء مسيحية.

يمكن ملاحظة أن غالبية أعضاء فريق إدارة “ترامب” الحالي، وكذلك المهاجرين الذين شكلوا الولايات المتحدة تاريخيًا، لهم خلفيات ترتبط بأصول أوروبية، وبالتالي غالبًا ما تكون مرتبطة بالذين يُصنفون عرقيًا كـ “بيض” وفقًا للتصنيفات الأمريكية التقليدية، هذا يعكس تاريخ (الهجرة) للولايات المتحدة، حيث كانت الهجرة الأوروبية هي المهيمنة بين القرنين 17-19، مما شكل القاعدة السكانية الأساسية للبلاد.

وكذلك الخلفية الدينية لأعضاء الفريق تتراوح بين المسيحية واليهودية، وهذا يتماشى مع التركيبة الدينية التاريخية للمهاجرين الأوائل إلى أمريكا، حيث كانت المسيحية تهيمن على المستعمرات البريطانية، ثم ظهرت اليهودية لاحقًا مع موجات الهجرة من أوروبا الشرقية، ولا يوجد في الفريق الحالي أي شخصية بارزة معروفة بأنها تنتمي إلى ديانات أخرى (مثل الإسلام أو الهندوسية أو البوذية).

الولايات المتحدة بُنيت أساسًا على هجرة أوروبية بيضاء مسيحية (ويهودية لاحقًا)، وهذا ينعكس في النخب السياسية عبر تاريخها، حتى مع تنوع الهجرة في القرنين 19 و20 (مثل الإيطاليين، الأيرلنديين)، ظلت السيادة الثقافية والسياسية مرتبطة بهذه المجموعات، وسياسات الهجرة الأمريكية التاريخية، مثل قانون الحصص الوطنية لعام 1924، فضّلت المهاجرين من أوروبا الغربية والشمالية على حساب الآخرين، مما عزز هذا النمط، لكن هذا تغير تدريجيًا مع قانون الهجرة والجنسية لعام 1965، الذي ألغى الحصص العرقية وفتح الباب أمام هجرة أكثر تنوعًا من آسيا، أفريقيا، وأمريكا اللاتينية.

(الهجرة) كمبدأ تأسيسي لأمريكا

طوال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، استمرت الولايات المتحدة في استقبال المهاجرين من أوروبا، وخاصة من إيطاليا، وألمانيا، وإيرلندا، وروسيا، وأوروبا الشرقية، ومعظم هؤلاء كانوا من المسيحيين الكاثوليك، والبروتستانت، واليهود، ورغم التوترات التي ظهرت في بعض الفترات، مثل المشاعر المعادية للكاثوليك في أواخر القرن التاسع عشر، إلا أن هؤلاء المهاجرين أصبحوا جزءًا من النسيج الأمريكي بمرور الوقت، وتغلغلوا في النظام السياسي والاقتصادي.

لكن مع ازدياد الهجرة من أماكن خارج أوروبا، وخاصة من آسيا، وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، وإفريقيا، بدأ يتغير شكل الهوية الأمريكية، مما أثار ردود فعل عنيفة من (القوى المحافظة) التي رأت أن الأمة التي بناها “الآباء المؤسسون البيض المسيحيون” أصبحت مهددة بوجود مهاجرين من أعراق وديانات أخرى.

وهكذا بدأ يتحول مفهوم “المهاجر الجيد” في الولايات المتحدة إلى مهاجر ينتمي إلى العرق الأبيض والديانة المسيحية أو اليهودية، بينما أصبح كل من لا ينتمي إلى هذه الفئة مستهدفًا بقوانين تمييزية.

من استقبال المهاجرين .. إلى حظرهم

بعد قرون من تبني سياسات الهجرة كعامل أساسي في بناء (الأمة الأمريكية)، تأتي إدارة “دونالد ترامب” للمرة الثانية خلال أقل من عقد لتقود هجومًا غير مسبوق ضد المهاجرين، ليس لأنهم يشكلون تهديدًا أمنيًا حقيقيًا، بل لأنهم لا ينتمون إلى الفئات العرقية والدينية التي بُنيت عليها الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر.

في عام 2017، فرض “ترامب” أول حظر لدخول المسلمين، في خطوة لم يكن لها سابقة واضحة في التاريخ الأمريكي الحديث، لكن ما يجري اليوم في 2025 هو أكثر من مجرد حظر، إنه إعادة هندسة للهجرة بشكل يضمن إبقاء الولايات المتحدة “بيضاء ومسيحية” قدر الإمكان، وكما قال “جوزيف بيرتون “في مقاله (

حظر ترامب الجديد للمسلمين .. أسوأ من الحظر الأول

):

“إن الرضى بـ (حظر المسلمين) سيساهم في توسيع نطاقه، فيمكن تطبيقه على أي كيان جيوسياسي أو مجموعة تجد نفسها في مرمى نيران دولة أمنية غير مستقرة وكثيرة التقلب”.

في الجزء الثاني من المقال، سنناقش بإذن الله، لماذا يُعدّ (الحظر الجديد) أخطر من سابقه، والدوافع السياسية والإستراتيجية وراءه، والفروق بين حظر عام 2017 و2025، والأبعاد الأيديولوجية والسياسية، وكيف أنه يعيد تشكيل أمريكا وفق أيديولوجية يمينية متطرفة، وتداعيات ذلك على الولايات المتحدة داخليا وخارجيا، وكيف ستعيد هذه السياسات تشكيل صورة الولايات المتحدة؟ وأخيرا .. هل يمكن وقف هذا الحظر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى