دراسات معاصرةمحكمات

السياسة في السنة المطهرة

تعريف السياسة: بحسب موقع موضوع الالكتروني تعرّف السياسة لغةً بأنها عبارة عن معالجة الأمور، وهي مأخوذة من الفعل ساسَ ويسوس، وهي على مصدر فعالة، أما اصطلاحاً فتعرف بأنها رعاية كافة شؤون الدولة الداخلية، وكافة شؤونها الخارجية، وتعرف أيضاً بأنها سياسة تقوم على توزيع النفوذ والقوة ضمن حدود مجتمع ما. وتعرف كذلك بأنها العلاقة بين الحكام والمحكومين في الدولة، وعرفت أيضاً بأنها طرق وإجراءات مؤدية إلى اتخاذ قرارات من أجل المجتمعات والمجموعات البشرية، وقد عرفها هارولد بأنها عبارة عن دراسة السلطة التي تقوم بتحديد المصادر المحدودة، وعرفها ديفيد إيستون بأنها عبارة عن دراسة تقسيم الموارد الموجودة في المجتمع عن طريق السلطة، أما الواقعيّون فعرفوها بأنها فنٌّ يقوم على دراسة الواقع السياسي وتغييره موضوعياً.

فهل عمل النبي صلى الله عليه وسلم بالسياسة، أم أنه كان داعياً إلى الله، يعرفهم به، ثم يكلهم إلى ضمائرهم؟ وإذا كان قد عمل صلى الله عليه وسلم بالسياسة، فهل هذا أمر خاص به، أم هو قدوة لأمته في ذلك؟ وهل وضع النبي صلى الله عليه وسلم نظاماً سياسياً واضح المعالم؟ أم هو متروك للناس الاجتهاد فيه؟


أسئلة نحاول الإجابة عنها في هذه المقالة، باستعراض جملة مما صح نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث.
عمل النبي بالسياسة: نقول إبتداءً أن النبي صلى الله عليه وسلم قدوة لأمته في تصرفاته وأقواله. قال تعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) الأحزاب. وقال تعالى: ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) آل عمران. ومن تصرفاته السياسية صلى الله عليه وسلم، إقامته لدولة المدينة التي كان يرؤسها، ورتب شؤون المواطنين بها من مهاجرين وأنصار في بيعة العقبة الثانية، ثم رتب علاقته مع اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة، بالوثيقة المشهورة. ثم نظم الجهاد ضد قريش، وتخلل ذلك إقامة صلح الحديبية معهم، ولما نقضوه فتح مكة.

وراسل الملوك في الدول المجاورة ودعاهم للإسلام، ودخل في حرب في حياته مع الروم. وأثناء ذلك كان يقيم الحدود ويفصل في الخصومات فيمن تبعه من المسلمين، بل حتى أقام الحدود على اليهود، وقاتلهم لما غدروا عهدهم. فكانت أفعاله صلى الله عليه وسلم تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين المحكومين بعضهم ببعض، ومع المخالفين له من معاهدين أو مقاتلين. فكل هذه أفعال سياسية قام بها ومارسها في حياته صلى الله عليه وسلم.


وإذا جادل مجادل بأن هذه أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها خاص به، والبعض الآخر خاص بأناس معينين، وأن القدوة به هي في مجال العبادة والعلاقة مع الله، أما نحن فأعلم بأمور دنيانا. فنقول أن الأصل في أفعاله أنها جميعها قدوة لعموم الآيات الحاضة على اتباعه، ولا يقال بالتخصيص له أو لأناس معينين إلا إذا جاء دليل على هذا التخصيص، ومع ذلك فلننظر إلى أوامره السياسية لأمته، والتي لا شك أنها واجبة الإمتثال لعموم الأمة.


من واجبات الحاكم في السنة: فقد بين واجبات الحكام تجاه المحكومين، فقال: (الإمام راع ومسئول عن رعيته) متفق عليه، وحذر الولاة من الغش لرعيتهم، فقال: (ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة) متفق عليه. وأمر الولاة بالرفق برعيتهم، فقال: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم، فارفق به) رواه مسلم. وذكر الإمام العادل وجزيل فضله عند الله، فقال: (سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل،… إلى آخر الحديث) متفق عليه. وضرب لهم المثل في إقامة الحدود والقانون وتطبيقه على الجميع بدون محاباة، ففي الحديث (أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أسامة ، أتشفع في حد من حدود الله ؟ ثم قام فاختطب ، فقال : إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله ! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت ، لقطعت يدها) متفق عليه. وحض الحكام على اتخاذ الوزراء الصالحين الناصحين، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى) رواه البخاري.


من واجبات الرعية في السنة: وفي مقابل قيام الأئمة والولاة بواجباتهم تجاه رعاياهم، فعلى الرعية واجبات تجاه أئمتهم وحكامهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي ما أقام فيكم كتاب الله) رواه أحمد باسناد صحيح، وطبعا هذه الطاعة مشروطة بعد الوقوع في معصية الله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة) متفق عليه. ونهاهم عن منازعة الحكام المسلمين والخروج عليهم، فعن عبادة بن الصامت قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: (أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحاً، عندكم من الله فيه برهان) متفق عليه. وأمرهم بالوفاء ببيعة أمرائهم، فقال: (سيكون خلفاء فيكثرون. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم) متفق عليه. وأمرهم بالجماعة وعدم الخروج على الحاكم المسلم، فقال: (من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية) رواه مسلم. بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمة رقيبة على الحكام، تنصحهم وتقومهم، فقال صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم، وقال أيضا: (إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا؛ يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويكره لكم: قيل و قال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) رواه أحمد باسناد صحيح.


وبين النبي صلى الله عليه وسلم، حال الأمة المسلمة فيما بينها، ومع مخالفيها.
العلاقة بين الرعية: فبين المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظلم ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش والتفحش، وإياكم والشح، فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا. فقال رجل: يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟ قال: أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك) رواه أحمد وأبو داود. وفي حديث عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال الناس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت إليه فلما نظرت إليه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب فكان أول ما سمعت من كلامه قال: (أيها الناس أفشوا السلام وصلوا الأرحام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام) رواه أحمد.


العلاقات الخارجية للدولة المسلمة: وأما مع المخالفين، فأمر بقتال المشركين الذين رفضوا الخضوع للإسلام والمسلمين، فقال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) رواه أبو داود باسناد صحيح، بل عد الجهاد من أعظم أعمال الإسلام، فعندما سئل أي العمل أفضل؟ قال: (إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور) رواه البخاري. أما من كان من أهل ذمة المسلمين، أو معاهداً لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصبعه إلى صدره ألا من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله حرم الله عليه ريح الجنة وإن ريحها لتوجد من مسيرة سبعين خريفا) رواه أحمد وأبوداود.


ماذا بعد: فهذه كوكبة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يوجه المسلمين فيها لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين عدوهم. فإذا لم تكن هذه سياسة، فما هي السياسة إذاً؟
وقد عمل الصحابة رضوان الله عليهم بتوجيهات نبيهم، فأقاموا دولة عظيمة تحتكم لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعندما توسعت دولتهم وجدت حوادث لم تكن من قبل، قاسوها على كتاب الله وسنة نبيه، وعملوا بالمصالح المرسلة، وهي المسائل التي لا نص شرعي عليها، وتندرج ضمن المصالح ولا تخالف نصوص الشرع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى